شهادة الروائي غريب عسقلاني
قاص يسكن وطن الحكاية
البدايات في مطلع السبعينات.
كنا شباباً نعيش الحياة في قطاع غزة حتى نخاع الحالة ، تتبرعم فينا أجنة الحكايات ، ترهص إشارات كيف نكون حراس بوابات المعاناة ، وكيف نعيد إنتاج ما يدور حولنا والوقت احتلال وثورة وقوافل شهداء وطوابير اسرى خلف الأسلاك في الحجرات السوداء ، وفدائيين يحتلون الأمكنة ليلاً ، يملكون القدرة على جعل جنود الاحتلال يسيرون في الشوارع ظهراً لظهر ، يدورون حول أنفسهم مثل عقربة قصفت زبانتها فأخذت تلعق سمها..
ونحن في الدروب تضربنا الأسئلة.
كيف تكون المشاركة وجهاً من وجوه الحياة والوقت كسير..
نقتفي آثار ما تبقى من كتب ومجلات وصحف ، نبحث عن آباء نأخذ عنهم بعض التجربة ، و كيف نبدأ المشوار ؟
نبحث عن بعضنا.. نقرأ ما كتبناه ، يؤرقنا السؤال. هل ما نكتبه شيئاً قد نضج..؟
مع نجمة الصبح نشد الرحال إلى حيفا ، نشرب القهوة مع معلمنا إميل حبيبي في وادي النسناس ، نرهف السمع إليه حتى الشبع، قبل أن تستعجلنا الدروب إلى بلدية الناصرة ، نقضي بعض وقت مع مشاغبات توفيق زياد ، ونعرض ما لدينا على سميح القاسم وسالم جبران ، نقرأ الراحة على وجوههم، يأخذنا الوجل، ندرك أن مساحات الوطن أوسع من جغرافيا الحلم ، نعيش المفارقة.
كيف صارت مساحة فلسطين متاحة تحت الاحتلال ؟
يضحك إميل حبيبي وكأنه يشاكس جنية لعوب .
- هل توحدنا تحت الاحتلال يا شباب..!!
هل كانت تناوشه رواية المتشائل يومها، وهل أدرك معلمنا أنه على عتبة رواية تضيف فصلاًَ إلى ما تعلمه العرب، نسأل معلمنا إميل بخجل أو وجل :
- هل ما نكتب يدخل في باب الأدب ؟
يرفع كفه يبسطها أمام وجوهن ا.
- لا تكتبوا خارج ما تعرفون أو تعيشون .
هكذا كانت بدايات جمعتني وزكي العيلة ، كنا توأمان.. في منتصف السبعينيات، أعلنت جامعة بيت لحم عن مسابقة القصة القصيرة يرأس التحكيم فيها معلمنا إميل... يصيبنا الهلع كيف ننفذ من غربال من لا يعجبه العجب.
كانت المفاجأة أن فزنا، وأن يرفعنا إميل على صهوة القصة، والقصة مهر حرون .
قال زكي العيلة يومها :
- اقبض على لجام مهرتك وتعلم كيف تروضها وتصبح فارسها الأصيل .
مهرة القصة يا أخي مثل نساء الحلم تتبدى، عند الصحو من أفق المنام تتبخر.
كيف يكون الأمر وبماذا تملأ المشكاة يا ابن الحكاية ؟
هكذا كان السؤال.. هكذا ظل السؤال ..
وزكي يبحث عن رد الجواب، أول ما جاء به كانت أقاصيص العطش* ، تأخذ الحالة على متن كلمات تتقافز، يتبدى فيها نبض الحياة عند لحظة تقبض على روح الحياة.
كيف يكون الأمر، كيف يمسك ( زكي العيلة ) من شظف الحياة قطرات من ندى تورق معها خضرة وسط الجفاف ، هكذا هي حال كاتبنا المعنى الذي يعبر الأزمان عند فوارق اللحظات ، هكذا قال في أقاصيص الجبل لا يأتي* وسلال من لحم* ، فهو كالغواص لا تخذله التجربة، لا يهاب الغوص في بحر رمادي غويط* ، يبحث عن زمن الغياب*.
هكذا دوماً زكي شعلته لاتنطفئ ، قد يغيب ، ربما ظن البعض انه خلد للراحة او ذهب مع صمت السكوت ، لكنه ليس كذلك.. يتلظى على جمرة الإبداع التي تسكنه حتى الاشتعال..
زكي العيلة يتنامى/ يتداعي/ يصعد/ يهبط.. تأخذه الغواية إلى أفق الهواية.. يحترف بل يعترف ، قد صارت القصة عنده سكن بل قل وطن.
رجل ابتني وطناً من الحكايات حتى لا يغادره الوطن.
يا زكي يا توأمي هل يأخذنا الحنين إلى الحنين.
الروائي : غريب عسقلاني
مدير عام الإبداع الأدبي في وزارة الثقافة الفلسطينية
| < السابق | التالي > |
|---|





