الاثنين, سبتمبر 06, 2010
   
Text Size

بطاقة هاتف

غسان زقطان يستذكر الراحل زكي العيلة في صفحات صحيفة الأيام أثناء الحرب على غزة.

في العام 2002، خلال اجتياح جيش الاحتلال للضفة الغربية، اتصل بي الراحل زكي العيلة، كانت رام الله تحت نظام منع التجول ومن النافذة كان يمكن رؤية رتل من الدبابات وهو ينعطف نحو "الماصيون"، قلت لزكي العيلة، اظن انهم ينسحبون من المدينة، قال: "سأترك لك رقم بطاقة هاتف لتستخدمها".

كان صوت زكي المتقطع القادم من غزة هدية سعيدة في ذلك المساء، لم اكن بحاجة فعلية لبطاقة الهاتف تلك، ولكن فكرة انه هناك في غزة يبحث بجهد وفيما يشبه الاعتذار عن بطاقة هاتف من اجلي، جعلت من الامر اقرب الى اخوة عميقة تمتد مثل خيط من البرق بيننا.
لم اكن قد التقيت بزكي سوى مرات قليلة، اثناء تواجدي في غزة، ولم نتبادل ارقام الهواتف، او نتبادل احاديث طويلة، اظن انه اتصل تلك الليلة بأكثر من رقم وأنه بحث عن رقم هاتفي بين اصدقاء آخرين حتى يبعث بتلك البطاقة عبر رسالة سريعة يتمنى فيها السلامة!
الآن رحل زكي العيلة، ولم يعد بالامكان ان ابعث له بطاقة للهاتف او رسالة قصيرة تتمنى له "السلامة"، ولن يكون ممكناً ان ينظر عبر نافذة بيته الذي لا اعرف اين يقع بالضبط، ليخبرني انهم يخرجون من غزة.

تبرع بالدم
لا احب التبرع بالدم، لم افعل ذلك كثيراً، مرات محدودة جداً، رغم اننا في منطقة تتطلب الذهاب الى عيادات التبرع مرات عديدة، كنت دائماً، احسد اولئك الذين يسرعون، كل مرة، للتمدد على تلك المقاعد القابلة للطي كاشفين اذرعهم وهم يحدقون في الكاميرا دون ان ترمش عيونهم، لعل ترددي هذا نابع من خبرة تنحدر من الطفولة ومدارس الوكالة في مخيمات اللاجئين تحديداً.
ورغم ذلك فالامر يبدو افضل بكثير، وأقل تكلفة من التسكع، على غير هدى، في رام الله.

ركام الصورة
لا يجيبون على الهواتف في شمال غزة، اما انهم منشغلون بما هو اهم من سؤالنا المتكرر عن احوالهم، وأن الخطوط لم تعد تعمل هناك، الفضائيات تواصل دفع صور القتلى والجرحى والغاضبين، اولئك الذين لا يجدون ما يفعلونه سوى البحث عن جدوى موتهم، او اولئك الذين يعيدون طلاء الموت ويبشرون به من عواصم بعيدة!
بينما احاول، وحيداً، ان ابحث عن وجوه الذين ماتوا وأجسادهم تحت ركام الصورة وانهياراتها.
غسان زقطان

القائمة الرئيسية


Warning: Parameter 1 to modMainMenuHelper::buildXML() expected to be a reference, value given in /home/zakiaila/public_html/libraries/joomla/cache/handler/callback.php on line 99

العضوية

العضوية