الاثنين, سبتمبر 06, 2010
   
Text Size

رحيل المبدع الوفي عالي الهمة

كتب ناهض منير الريس

لم أكن أتخيل قبل سنتين وأنا أتحدث مع زكي العيلة بالهاتف، أن تلك المكالمة التي بادرت إليها اشتياقا له بعد فترة انقطاع سابقة ستكون آخر عهدي به . لقد انعقدت بيننا صداقة جميلة تدعو للإعزاز وللاعتزاز، لا بسبب فنه الرفيع قصاصا مبدعا ممتلئ الوجدان بمأساة شعبه وحسب، ولكن -أيضا- بسبب دماثته وأدبه وطيب سريرته. فهذا المبدع الفلسطيني النبيل الذي ينتمي لأسرة طيبة من بلدة يبنا المحتلة منذ عام 1948، وهي بلدة معروفة بطيب أهلها وعلو هممهم عموما، ولد في مخيم جباليا عام 1950، وفيه عاش وها هو يموت ويدفن في ترابه ولما يبلغ التقاعد . إن كفاحه الشخصي الذي رفعه درجة بعد درجة في مراتب العلم من حائز على دبلوم المعلمين إلى أن بلغ في الدراسات العليا مرتبة الدكتوراة، دليل على علو همته وجديته ودأبه. وله فضل على أجيال من تلاميذ المدارس ثم من طلبة الجامعات الذين علمهم وقدم لهم قدوة سامية. أضف إلى ذلك أن عمره المبارك كان مثمرا على المستويات النقابية والاجتماعية، فهو عضو مؤسس في اتحاد كتاب فلسطين وناشط في مجلس إدارته وفي أكثر من مجلس إدارة آخر في منتديات ثقافية. ثم هو في الوقت نفسه مبدع خصب الإنتاج، ترجمت قصصه إلى الانجليزية والفرنسية والروسية والعبرية. أما على الصعيد الاجتماعي، فلا شك أنه كان إنسانا كبيرا محبا ومحبوبا ومحترما من قبل الكثيرين. تدلنا إبداعات الراحل العزيز الصديق زكي العيلة في القصة القصيرة على أصالته ووفائه للبيئة وللقضية التي كانت إطار حياته ومنطلق رسالته في الحياة. فأشخاصه هم بعينهم أولئك المكافحون من أجل الرزق الحلال والوطن المنتهب. ولغته تحمل توتره وانفعاله حيال (المعركة) الدائمة التي يخوضها أبطاله، والتي لم يكن ممكنا أن يعبر عنها هذا التعبير الصادق في أعماله الأدبية لولا أنه تمثلها وكابدها وشارك أبطالها بالوجدان. وعندما قرأت أعماله التي أهداني بعضها لم أستغربهم ولم أجد أني بحاجة إلى جهد كي أرافق أولئك الأبطال في حركتهم المادية أو حركة أذهانهم . إنها شخصيات فلسطينية منتزعة من البيئة بفعل الفهم العميق والحب الكبير الذي كان يعمر قلب الراحل العظيم نحو أهله وشعبه. يحزنني أنني لم ألقه منذ زمن. ويحزنني أكثر تصوري أنه في صراعه مع المرض العضال عانى ما عاناه وأوجعه. فأضيفت إلى نضالات حياته نضالات صحته في مواجهة الداء. ودعاؤنا جميعا أن يكون له عن هذه النضالات كلها ثواب الشهداء. فلتتذكر فلسطين دائما هذا الأديب الفلسطيني الكبير، الذي حمل اسمها وقضيتها عاليا. وليعكف النقاد الذين يعمر قلبهم مثل ما عمر قلب زكي العيلة من عاطفة وطنية جياشة، وتكريس وطني قوي على عشرات الأقاصيص الجميلة التي خلفها، والتي هي تراث عزيز في متحف فنون الشعب اللاجئ المكافح الفدائي البطل، لا بل في صميم حياته اليومية ومنتديات شبانه المتطلعين إلى ثقافة وأدب يعمقان حس الانتماء والاعتزاز بشعبهم ووطنهم. وألف رحمة على روحك الطاهرة يا أبا فادي الذي سيوحشنا غيابه كثيرا.

القائمة الرئيسية


Warning: Parameter 1 to modMainMenuHelper::buildXML() expected to be a reference, value given in /home/zakiaila/public_html/libraries/joomla/cache/handler/callback.php on line 99

العضوية

العضوية