الاثنين, سبتمبر 06, 2010
   
Text Size

الشاعر محمود عبد المالك يروي الراحل زكي العيلة من المهد إلى اللحد.

الشاعر محمود عبد المالك* (صديق الراحل منذ سنوات البداية) يروي سيرة مفصلة عن الراحل زكي العيلة منذ الطفولة المبكرة حتى الرحيل الموجع.

 

فقدت أخي زكي العيلة
      زمن الطفولة:
      لقد عرفت أخي وصديقي، الإنسان الأديب الراحل القصصيّ الروائيّ الناقد زكي العيلة، منذ دراستنا الابتدائيّة في مدرسة ذكور ( أ ) للاجئين قرب السوق في معسكر جباليا، وظلّت الصداقة بين ابني هذا المعسكر العريق إلى أن اختطف الموت زكي منّا، ولن تنتهي صداقتنا بإذن الله، فإنّ زكي العيلة لا يمكن أن ينسى، وصداقته لا يمكن أن تعوّض، غفر الله لنا وله.
      درسنا في المرحلة الابتدائيّة معًا، وشربنا الحليب مع حبّات (زيت السمك) في المدرسة معًا، ولبسنا (الشورت الخاكي) الذي (وزّعته) علينا وكالة الغوث معًا، ومشينا حافيين في شوارع المعسكر الترابيّة معًا، واكتوينا برمضاء السوافي وأزقّة المعسكر الرمليّة معًا، وجلسنا في مقعد واحد في غرفة الدراسة المسقوفة بالقرميد، ولم أكن أعلم يومها لماذا كان معلّمنا يناديني باسم زكي ويناديه باسمي, فيما بعد عرفت أنّ هناك شبهًا كبيرًا بيني وبين زكي، حتّى إنّ أحدنا كان يُضرب لأنّ صديقه كان في الشارع يوم أمس, رآه المعلّم أو سمع من أحد التلاميذ اسمه وشاية ونكاية! كنّا نخاف أن يرانا المعلّم نلعب في الشارع، لا بدّ أن نقرأ ونكتب في البيت، فقد كان المعلّمون يهتمّون بأمر التلاميذ في المدرسة وفي الشارع، كانوا حريصين على تعليم التلميذ وتربيته!
      وخارج أسوار المدرسة كنّا -أنا وزكي- نقرأ كثيرًا، لم نلعب الكرة معًا، ربّما كان يلعبها مع أبناء حارته، ولم نلعب (الشاردة والغمّيضة وحَدَر بَدَر) معًا، بل كنت ألعبها مع أولاد حارتنا، ولكنّنا كنّا نقرأ دائمًا، جمعنا حبّ القراءة وطلب العلم والتعلّم، وشغلنا -في طفولتنا- البحث عن الكتاب المتاح، فقرأنا أنا وزكي أوّل الأمر مجلّة "سمير" ومجلّة "ميكي"، وكان تواصلنا مع الأولى أكثر, ثمّ قرأنا الروايات العالميّة ومجلّة الهلال والرسالة والمقتطف، وكثيرًا من المجلاّت والجرائد المصريّة، وقرأنا كتبًا من سلسلة "الألف كتاب"، وقرأنا ألف ليلة وليلة، والزير سالم، وقصص أرسين لوبين وشرلوك هولمز وطرزان، وكذلك قرأنا باهتمام مجلّة "العربي" الكويتيّة، وكانت زادًًا لنا في الستّينيّات وما بعدها، كنّا نبحث عن الكتب ونجري وراءها، ونقرأ ما نستطيع الوصول إليه منها، لقد تعلّمنا أن نقرأ في الكتب يوم كان أترابنا يتعلّمون كيف يلعبون في الأزقّة والشوارع، وكان كثير منهم يتساءل كيف نقضي كلّ هذا الوقت في القراءة؟ ومع ذلك فقد كنّا نلعب، ولو قليلاً!
      كنّا نقرأ ونتبادل الكتب والقصص معًا، ولكنّه كان يسبقني في قراءة الجريدة، كنت أرى والدته -رحمها الله- تعطيه قرشًا ونصف القرش ليشتري الجريدة، جريدة (أخبار فلسطين)، ولم تكن أمّي -رحمها الله- تفعل مثلها لقلّة ذات اليد, كان كلّ منّا (يحوّش) قرشًا كلّ أسبوع لنشترك وزميلنا (محمّد راغب) في شراء مجلّة "سمير" بثلاثة قروش، ولم يكن لدينا مشكلة فيمن يحتفظ بأعداد المجلّة، إلاّ العدد الذي يكون معه هديّة فتكون القرعة! ثمّ عرفنا قراءة القصص، كانت أمور الحياة صعبة، وكان شراء القصّة يثقل كاهلنا، ولكنّ الله يسهّل الصعب بكلمته سبحانه وتعالى، فاهتدينا فيما بعد إلى طريقة استعارة القصّة بدلاً من شرائها، فكنّا نقوم بقراءتها ثمّ إعادتها إلى مكتبة (عبد ربّه) بقرش واحد، وهذا إنجاز كبير لمن كان لا يجد القرش إلاّ (بِطلوع الروح)!
      وكان زكي دقيق الملاحظة مع أنّه كان يسمّيني "مِلْحاظًا"!
      وأذكر في إحدى المرّات -وقد كنّا نقرأ في "مجلّة سمير"- أنّه كان يستفزّنا وهو يكرّر بصوت عال: "مغامرات الشبح للرسام العالميّ باري"، أو يقول: "مغامرات تِمْ تِمْ للرسام العالميّ هيرجي"، وأنا وزميلي لا ندري من أين كان يأتي بهذين الاسمين، ولا ما كان يقصده بكلامه، وكان "باري وهيرجي" رسّامين، وأظنّ أنّ الأوّل كان يرسم صور مسلسل "الشبح"، والآخر يرسم صور مسلسل "تِمْ تِمْ"، وكنّا نتابع حلقات هذين المسلسلين بشغف، وكان كلا اسمي الرسامين قد كُتب في أعلى يسار الصفحة أوّل مرّة بعد مدّة طويلة من قراءتنا للمجلّة، وكنّا نحفظ شكل الصفحة، ففي أعلاها العنوان وصورة البطل وملخّص ما قرأناه في العدد السابق، فلم نكن بحاجة للنظر فيه كلّ مرّة، ولم نلاحظ التغيير الجديد، ولاحظه زكي يومها ومازحنا طويلا، ثمّ دلّنا آخر الأمر على الاسمين وكنّا في حيرة.
      ولم تكن لنا طفولة بالمعنى المعروف والمنصوص عليه (بالخطّ العريض) في برامج حقوق الإنسان، وما أظنّ أنّ واضعي هذه البرامج ومؤلّفيها كانوا قد سمعوا بي وبزكي، ولا سمعوا بجيلنا كلّه، بل إنّهم لم يسمعوا أيضًا بالأجيال التالية، فنحن -الفلسطينيّين- خارج دائرة الإنسان وحقوقه، فقد عرفنا مرارة الحياة أطفالاً وتمرّغنا فيها؛ بعنا (الترمس المُمَلّح، وعنبر الشام، وبوظة المهلّبيّة) في أزقّة المعسكر، وباع زكي (سلال البوص) في شوارع غزّة لمن يريد أن (يتسوّق)، كان يذهب بالسلال يحملها ماشيًا إلى غزّة، ويعود من غزّة على قدميه بما يتبقّى من سلاله! وقد صوّر زكي هذا في قصّته: "سلال من لحم"، من قصص مجموعة "الجبل لا يأتي" التي نشرت عام 1980م.  
      وبعت (أصابع شاي العروسة) ليعمل الناس شايًا، كانوا يفطرون وأولادهم على الخبز والشاي، وكنت أضع على رأسي وكتفيّ في الصباحات الممطرة كيسًا من الخيش، أتّقي به بعض البلل، أمّا البرد فكان الله رحيمًا بنا له الحمد والشكر، وكنت أفطر -خبزًا وشايًا- بعد أن يفطر الناس في مخيّمنا (بلوك F)، وبعد الإفطار أذهب إلى المدرسة، وحملت (صندوق البوية) وكنت (أدُور) به في شوارع غزّة لأمسح (كَنَادِر "جمع كُنْدَرة في العامّيّة"!) أحذية الناس الأغنياء، وعملت حمّالاً في (سوق فراس) أحمل للناس ما يشترون!
      وكنت أساعد أخي رحمه الله في دفع عربة يد، كان يستأجرها من أصحابها ليحمل أشياء الناس إلى بيوتهم، وفي أحد الأيّام توقّفتُ عن دفع العربة (لأنظر إلى كومة من قشر التفّاح)، لا أدري كيف كان شعوري حينذاك، ولكنّني كنت أعرف اسم التفّاح وشكله، وحثّني أخي على مساعدته في دفع العربة التي كان يجرّها، ولا أدري كم مرّة ناداني وقتها، ولكنّه صرخ بي آخر الأمر، فقلت له وأنا أشير بيدي بدهشة: قشر تفّاح! قشر تفّاح! فناداني مرّة أخرى، وتبعته وأنا أتحسّر على قشر التفّاح المرمي على الأرض، كان بعض الناس يرمون قشر التفّاح!
      وهكذا مرّت طفولتنا، وهي أفضل بكثير من طفولة أولادنا في هذه الأيّام.
      ولم تكن غزّة قريبة منّا كما هي اليوم، فقد كنّا نمشي في دروب وأزقّة ملتوية بين الحقول والبيّارات، على الحجارة والأشواك في البرد والمطر، أو نسبح ونغوص في رمال السوافي الناعمة (جمع سافية) في الحرّ، كنّا نقطع هذه المسافة الموحشة لنوفّر أجرة السيّارة التي لم تكن موجودة على أيّ حال، ثمّ إنّ ركوب السيّارة كان ترفًا للأولاد الذين (يقدرون على المشي)!
      وفي هذه الظروف كان عندنا مساحة للضحك، ومساحة للّعب، وكان عندنا أيضًا مساحة للبكاء، فكثيرًا ما حدث، وأنا في الصفوف الأولى الابتدائيّة، أن أطلب قرشًا لأشتري دفترًا أو ورقًا لتجليد الدفاتر ولا أجد، فأذهب خلسة إلى البكاء أستنجد به!
      وكان زكي رحمه الله ضاحك السنّ صاحب نكتة، وقد كان يحكي لنا نكتة جديدة كلّ يوم تقريبًا، وكان يقلّد أصوات كثير من الناس، ويقلّد حركاتهم وطريقة كلامهم، وكثيرًا ما كان يحلو له أن يتحفنا بما يتخيّل أنه يدور بين النساء في "قعداتهنّ" (مجالسهنّ على الرمل أمام أبواب البيوت)، أو وهنّ راكبات سيّارة (الباص) ذاهبات إلى أعمالهنّ في غزّة، ومعظم حديثهنّ عن الأزواج، فيقول مقلّدًا طريقة الكلام والحركات:
      "أمّ فلان سألت صاحبتها:
-    كيف حالك؟
-    أي هو غراب البين خلاّلي حال. (تعني زوجها)
-    إيش مالو؟
-    قاعد لا شغله ولا عمله ومش مخلّينا من شرّه".

      كان بارعًا في محاكاة الصوت والمظهر، فيؤدّي دور السائلة مختلفًا عن دور المسئولة! لقد كان هذا إرهاصًا ومقدّمة لأن يصبح زكي -فيما بعد- ممثّلاً في مسرح معهد رام الله أيّام دراسته هناك، وقد كان يحكي لنا -عندما يعود إلى معسكر جباليا ونلقي في الإجازة- عن تجربته الجديدة في المسرح، ويرينا صورًا له في أدوار مختلفة، ويرشدنا بكلّ ثقة واقتناع ومهنيّة إلى كيفيّة الظهور على المسرح:
-    لا تدخل بظهرك أبدًا، يجب أن تكون مواجهًا للجمهور!
*    *    *
      عملنا أنا وزكي صحيفة حائط ونحن في الصفّ الخامس الابتدائيّ، كنّا نأتي بصور نلصقها على الصحيفة، ونكتب مقالات وألغازًا وحكايات ومعلومات في باب اختبر ذكاءك، وكنّا في المرحلة الإعداديّة نذهب مع أخينا مسعود حمدان وبعض الزملاء إلى مكتبة اليرموك، وكانت بجوار ملعب اليرموك حاليًّا، نقرأ ما يقع تحت أيدينا من كتب، وبطبيعة الحال كنّا نذهب ونعود مشيًا على الأقدام، وهناك قرأنا كثيرًا ممّا كتب المنفلوطيّ والعقّاد وطه حسين، وتعرفنا على أحدب نوتردام والبؤساء، وقرأنا الوساطة بين المتنبّي وخصومه، وأسرار البلاغة، وعندما قرأت ألفيّة ابن مالك في النحو نسختها بيدي لأحتفظ بها، وكنت أميل إلى قراءة الشعر أكثر من زكي، وأظنّه كان يقرأ في التاريخ أكثر منّي، فيما بعد، عندما كنت أسمعه محاولاتي الشعريّة كان يستحثّني على المتابعة، وفي المحصّلة كانت ثقافتنا من صنع أيدينا بتوفيق من الله.
      في بداية المرحلة الإعداديّة كان أخونا مسعود قد جاء ليسكن المعسكر، وتعرّفت إليه وتصاحبنا، ثمّ جمعته بزكي فتعارفا فأصبحنا الأصدقاء الثلاثة، اجتمعنا بمسعود وكنّا ثلاثتنا لا نكاد نفترق، ولا بدّ لنا من أن نلتقي كلّ يوم، وقرأنا معًا في مكتبة اليرموك، ولعبنا (الرَّكِتْ) بكُرة جلديّة ومضربين من خشب صنعهما مسعود، لعبنا في (الصَّحْرا) وهي مقبرة المعسكر، وفي المكان الذي كان ملعبًا لنا دفن زكي رحمه الله بعد أن تركنا، وإلى عام1971م لم تتفرّق جسومنا، وكان في هذا العام أن وسّع (شارون) شوارع المعسكر في خطّته الأمنيّة، فطوّح بي وبمسعود إلى العريش، ثمّ ذهبت أنا بعد ذلك إلى مصر للدراسة، وظلّ زكي في المعسكر، وقد أصبح أمام بيته شارع واسع، ومع كلّ هذا فإنّ أرواحنا ظلّت متآلفة على اتّصال دائم.
*   *   *
      قرأنا كثيرًا من الروايات العربيّة والعالميّة التي مثّلت للسينما، فعرفنا "الناصر صلاح الدين" قبل أن نراه ممثّلاً في شخص أحمد مظهر، وعرفنا "شجرة الدرّ" قبل أترابنا بأعوام، ولم نكن نعرف طريق السينما في غزّة؛ فثمن التذكرة كان باهظًا، وقد كنّا في طفولتنا نعتاض منها بـ"صندوق العَجَب" الذي كان صاحبه يحرّك فيه صورًا لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ولعنترة وأبي زيد الهلالي سلامة، وكان الرجل يحكي لنا ما في الصور ونحن ننظر من خلال فتحات زجاجيّة، وهو يردّد دائمًا: (تعال اتْفَرَّجْ يا سلام على عجايب الزمان)! فرأينا هؤلاء الفوارس وهم يحملون سيوفهم ويقاتلون أعداءهم بشجاعة وقوّة! فيما بعد ذهبت إلى السينما مرّتين بصحبة أخي الكبير رحمه الله، كانت إحداهما لمشاهدة فيلم (واإسلاماه) في سينما النصر، والأخرى لمشاهدة فيلم (حصار اسبرطة) في سينما الجلاء.
      ولم نكن في ذلك الوقت بحاجة للذهاب إلى السينما، فقد كانت السينما نفسها تأتي إلينا كلّ أسبوعين تقريبًا بالأفلام المصريّة وأفلام شارلي شابلن الهزليّة، تأتي بها وكالة الغوث لتنسي الناس أوطانهم التي أجبروا على تركها، ولتنسيهم معاناتهم في هجرتهم إلى قطاع غزّة لعلّهم يستمرئون الوضع الجديد! وكانت للوكالة شاشة عرض كبيرة متنقّلة، تنصب في ساحة -كانت واسعة أيّامها- بجوار مركز التموين قريبًا من بيتنا في وسط المعسكر، وقد وقعت الشاشة يومًا بفعل الريح، وأصابت كتف زميل في الصفّ الأوّل الإعداديّ! كما كانت تأتي بالسينما دائرة الاستعلامات المصريّة لتثقيف الناس والتّرفيه عنهم، ولتسليتهم عن معاناتهم وبؤس الحياة في المعسكر، ولم يكن لديهم في سيّارة الدائرة شاشة، فكانوا يختارون جدارًا أبيض مناسبًا لعرض أفلامها!
      كان ليوم السينما احتفال كبير عندنا في المعسكر؛ وكنّا نجهّز له الترمس والفول المسلوق، أو (بَلِيلَة الحمّص) الساخنة لنبيعها على الحاضرين، فقد كان يجتمع في هذا اليوم ناس كثيرون، يجيئون من بعد العصر ليشاهدوا كيف تنصب الشاشة، وكان بعضهم يساعد العمّال الذين يقومون بنصبها، ويسألهم سرًّا بلهفة واهتمام عن اسم الفيلم، ثمّ يخبر أصحابه المقرّبين! وكنّا نشاهد هذه الأفلام ونتحدّث عن أبطالها وما كان منهم وما جرى فيها مع زكي والزملاء، والسينما ثقافة!
*    *    *
      
 
      زمن الشباب:
      أنهيت الصفّ الثاني الثانويّ قبيل "حرب عام سبعة وستّين"، وهي الحرب التي (وحّدت فلسطين) وجمعت الفلسطينيّين تحت حكم واحد، وأضربتُ أنا عن الدراسة في ظلّ الاحتلال، وتابعها زكي ومسعود وكنت أجلس معهما في الفصل، وإن غاب أحدهما كنت أسمّي نفسي باسمه ليسجّل حاضرًا عند المدرّس، وحصلا على (التوجيهي) شهادة الثانويّة العامّة، وسافر زكي ليكمل دراسته في معهد وكالة الغوث في رام الله، ودخل مسعود في مدرسة الصناعة التابعة للوكالة في غزّة، والتحق بقسم (ميكانيكا) السيّارات، وبعد تخرّجه عمل مدرّبًا في مراكز التدريب المهنيّ في العريش، وبير العبد، والشيخ زويّد، وهي مراكز حكوميّة في شمال سيناء تابعة لوزارة العمل، وعندما أعيد سكّان العريش إلى خانيونس عمل مسعود في مراكز التدريب المهنيّ الحكوميّة الأربعة في القطاع: في غزّة ودير البلح وخانيونس ورفح!
      وذهبت أنا لأتعلّم أشغال الخيزران في (مصنع خَلَف) مقابل بلديّة غزّة، وفي هذا الوقت حصل على الشهادة الثانويّة طلاّب كنت أسبقهم بعام أو عامين وذهبوا إلى مصر للدراسة، فحنّت نفسي إلى الدراسة، وساعدني على العودة لها أن تقرّحت أصابعي العشرة من العمل في الخيزران، وكان معلّمي (أبو هشام حفظه الله) يتعجّب ممّا حدث لي، ففي فترة ربع قرن قضاها في هذه الصنعة لم يشاهد عاملاً تقرًحت أصابعه مثلي!
      ودرست وحصلت على الشهادة الثانويّة عام سبعين، وكان لا بدّ من الانتظار سنة كاملة حتّى يأتي التنسيق للجامعات، ذهبت بعدها إلى مصر في الفوج الثاني (مع الصليب الأحمر)، وكان ذلك بعد تهجيرنا -أو نفينا ومئات الأسر مثلنا- إلى العريش بأسبوعين، ويوم التهجير وهدم بيوتنا لم يكن (الصليب الأحمر) يعرف أين سيكون مصيرنا! وكنّا في الإجازات نحرص على أن نجتمع ثلاثتنا -زكي ومسعود وأنا- ونستعيد الذكريات الماضية، ونتذاكر أخبار سنة مضت وما كان في هذه السنة من أحداث، كلّ يحكي لصاحبيه عمّا حدث معه.
      من الصعب أن تهدم بيتك بنفسك، ولكنّنا ومئات الأسر فعلنا ذلك، قال الجيش إنّه يعطينا مهلة أربع وعشرين ساعة، يكون بعدها تدمير البيت والترحيل، وقال: "خذ كلّ ما تريد، خذ الخشب والقرميد"! كان الأمر صعبًا فالبيت جديد؛ نسف اليهود بيتنا القديم الذي كان في وسط المعسكر قريبًا من كلّ الخدمات والمرافق، نسفوه ليجعلوا مسافة آمنة حول مركز الشرطة؛ كان الفدائيّون يرمون عليهم القنابل من وراء بيتنا، فنسفه الجيش لتبني لنا الوكالة بيتًا جديدًا، بنته في ساحة كانت أمام مدرسة الفالوجا الثانويّة التي درست فيها، بنته الوكالة ليدمّره جيش الاحتلال بعد أقلّ من سنتين! يلعب ليهود بالوكالة كما يلعبون بغيرها.
*    *    *
      كانت الغُربة وكان الغياب، وذقت طعم الفراق أوّل مرّة، (فيما بعد عرفت أنّني لم "أتغرّب" في مصر ولا في الأردنّ، كانت الغربة الحقيقيّة في السعوديّة، غربة إنسانيّة وغربة عقليّة وغربة في كلّ شيء، وليسامحني من أهلها الطيّبون)! مكثت في مصر خمس سنوات، زرت القطاع فيها مرّتين، وحصلت على شهادة (الليسانس) في اللغة الروسيّة وآدابها، ورجعت إلى غزّة، كان مسعود يسكن في العريش، وأنا في رفح، وزكي في جباليا، وتواصلنا وأعدنا اللقاءات التي تدخّل في تباعدها بُعد المسافة بين جباليا ورفح والعريش!
      وذهبت بعد بضعة أشهر إلى الأردنّ بنيّة العمل، ونيّة محاولة متابعة الدراسة في اللغة الروسيّة، وقابلت الملحق الثقافيّ في سفارة الاتّحاد السوفييتي في عمّان، وأبديت له رغبتي في إكمال دراستي، فقال إنّ هذا يكون عن طريق (جمعيّة الصداقة الفلسطينيّة السوفييتيّة)، ورفضوا في الجمعيّة مساعدتي؛ كانت المساعدة تحتاج إلى تنظيم سياسيّ، وما كنت يومًا أحبّ الانتماء لأيّ تنظيم سياسيّ!
      كان زكي قد عرض عليّ الذهاب في بعثة مجّانيّة إلى روسيا لإكمال دراستي، وذلك عن طريق أصدقاء له يستطيعون المساعدة، كما قال رحمه الله، كان هذا عند زيارتي القطاع بعد أن نجحت في السنة الأولى في مدرسة الألسُن العليا!
      مكثت في الأردنّ حوالي سنة ونصف السنة، وأشار عليّ صديقي جمال أبو راشد بأن ألتحق بجامعة اليرموك في أربد شمال الأردنّ، حيث كنت أسكن في بيت أخي (أبو أشرف) رحمه الله، فكان ذلك في بداية الفصل الدراسيّ الثاني من عام 1978م، وحصلت على شهادتي (البكالوريوس والماجستير) من قسم اللغة العربيّة، وعدت في صيف عام 1984م وسكنت في دير البلح، وكان مسعود قد أسكن في خانيونس، عدت لأعمل في جامعة الخليل في الضفّة الغربيّة، ولنعيد لمّ شملنا معًا لثلاث سنوات طيّبة!
      ثمّ ساقتني لقمة العيش إلى السعوديّة مرغمًا، فكنت هناك –كغيري من (الأجانب) المتعاقدين- رَقَمًا يشغل وظيفة شاغِر! ولفظ (الأجنبيّ) يطلق على المسلمين فقط، أمّا النصارى والكفّار فهم من الدول الصديقة! عشت في السعوديّة غريبًا لسبع عشرة سنة، فتباعدت فترات اللقاء بين الإخوة الثلاثة للمرّة الثالثة، ولكنّها لم تنقطع أبدًا، كنّا حريصين على التواصل ومعرفة أخبار كلّ منّا، وكان الهاتف يساعدنا في نقل الأخبار والاطمئنان على أحوال الناس في القطاع، وفي الإجازة الصيفيّة القصيرة كانت لقاءاتنا قليلة بسبب انشغال كلّ منّا، ولكنّها كانت مستمرّة لأنّ صداقتنا كانت بفضل الله مؤسّسة وثابتة.
*   *   *
      اتّجه زكي إلى الكتابة والتأليف، وكنت قد اتّجهت إلى محاولة نظم الشعر، فنجح زكي وما زلت أنا في محاولاتي، كتب زكي القصّة القصيرة ونشرها في أربع مجموعات، وكتب قصّة طويلة باسم "زمن الغياب"، طلب منّي أن أقرأها قبل أكثر من عام، ولكنّ القراءة تأجّلت إلى أن بدأتُ فيها بعد "غياب زكي" تكريمًا لزكي! وستأتي إن شاء الله قراءتي بعد هذه المقدّمة الضروريّة لفهم القصّة! وكان زكي نشيطًا فنشر دراسة عن "تراث البحر الفلسطينيّ"، وأخرى عن "المرأة في الرواية الفلسطينيّة"، كما نشر كتابًا بعنوان: "في ضفاف السرد، دراسات في القصّة والرواية"، وهناك كتابات لم تنشر أترك للأيّام أن تفصح عنها، فقد علمت من أبنائه أنّهم سيعملون على نشرها قريبًا إن شاء الله.
*    *    *
 
      زمن الكهولة:
      لمّا كان صيف عام ألفين وخمسة رجعت إلى القطاع، واستقرّ بي المقام أخيرًا في النصيرات، وكان مسعود في خانيونس، وزكي في الفالوجا، ومع هذا التشتّت في السكن عاد إلينا التواصل، وعاد المرح الذي كان يدمغ لقاءاتنا دائمًا، كان زكي قد حصل على شهادة (البكالوريوس) في اللغة العربيّة من الجامعة الإسلاميّة، وشهادة (الماجستير) من جامعة عين شمس، وكان يعمل منذ تخرّجه معلّمًا في مدارس الوكالة في معسكر جباليا، كما عمل في مدارس البريج والمغازي، كنت في بعض الإجازات قد سألته عن معلّمينا، أولئك الذين كان لهم الفضل بعد الله في تعليمنا القراءة والكتابة، وذهبت معه إلى مدرستنا الأولى، حيث أخذنا أول درس في قراءة (راس روس باع عود)، فقابلنا من كان موجودًا من المعلّمين الأفاضل، وسلّمت عليهم وعرّفتهم بنفسي وشكرتهم، جزاهم الله وجزاه عنّي كلّ خير، ورحم من مات منهم، ورحمنا ورحم جميع المسلمين، آمين.
      التحق زكي ببرنامج الدكتوراه في معهد البحوث والدراسات العربيّة في القاهرة، وكان عند عودتي قد أنهى كتابة أطروحة الدكتوراه، وعنوانها: "الذات، والآخر الإسرائيليّ في روايات الأرض المحتلّة بعد عام 1967م"، فراجعت الأطروحة وقرأتها كلمة كلمة، وصحّحت ما كان فيها من أخطاء لغويّة قليلة، ودوّنت عليها بعض الملاحظات، أخذ زكي منها بما رأى أنّه يناسب الحال، كنّا نريد أن تكون أطروحة أخينا وحبيبنا كاملة خالية من كلّ عيب، ثمّ إنّي راجعتها فيما بعد وقابلتها على تجربة الطباعة الأخيرة عندما أعدّت للنشر، وذلك في فترة مرض زكي رحمه الله.
      ذهب زكي بحمد الله راضيًا ماضيًا إلى مصر للمناقشة، وكان وعد بأن يأخذنا معه إلى مصر لحضور مناقشته، ولكنّ ظروف المعبر يومها حالت دون ذلك! وكنّا نطمئنّ عليه هناك ونسأله عن يوم المناقشة، وبشّرنا بنجاحه وحصوله على الشهادة بمرتبة مشرّفة، وفرحنا بحصوله على شهادة الدكتوراه، وانتظرنا عودته لنحتفل بنجاحه، وكان المعبر مغلقًا ولا بدّ من الإسراع في العودة، أنهى زكي معاملاته وتسلّم الشهادة واعتمدها من الجهات المعنيّة، و"خلّص الشغل بسرعة" كما قال! ورجع إلينا زكي، وبعد رجوعه أغلق المعبر ثانية، وكانت معاناة العالقين، فحمدنا الله أن يسّر عودته، وباركنا له رجوعه سالمًا وحصوله على الدكتوراه، ودعونا الله أن يفرّج كرب العالقين.
      فرحنا معًا، واحتفلنا بهذه المناسبة الطيّبة، ولكنّه لم يكمل الفرحة معنا، لقد عاجله المرض الخبيث، وجزعنا أنا ومسعود من مرضه وخفنا عليه، وكنّا نطمئنّ عليه بالهاتف، ولمّا كان يرجع إلى بيته للراحة بعد كلّ جلسة علاجيّة، وكنّا إذا أردنا زيارته نسأله عن الوقت المناسب، كان يشفق علينا من (بًعد المشوار) وصعوبة المواصلات، وكان يطلب تأجيل الزيارة، كان رحمه الله رحيمًا كريمًا حتى في مرضه، لم يكن يريد لنا أن نتعب في أزمة المواصلات التي نعيشها بسبب الحصار.
      زرنا أخانا بموعد، وزرناه دون موعد، فلا بدّ من أن نطمئنّ عليه وأن نكون إلى جواره، ولم نتمكّن من زيارته في آخر مرّة جاء فيها إلى غزة, واستعزّ عليه المرض فأعيد إلى المستشفى هناك فأعادوه إلى مستشفى الشفاء هنا، وقدّر الله ألاّ نراه بعدها، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله على كلّ حال، لقد غادرنا زكي تاركًا فراغًا كبيرًا وجرحًا غائرًا، نسأل الله لنا وله العفو والمغفرة، وأن يجمعنا به في الجنّة بمنّه وكرمه، جلّ سبحانه وتعالى عن أن يعاملنا بما نستحقّ، بل نرجوه معاملتنا بما هو سبحانه أهل له.
*   *   *
      بعد أن صلّيت المغرب يوم الخميس الموافق 8/5/2008م اتّصلت ببيت زكي لأطمئنّ عليه، وطلبت محمّدًا ابنه ممّن ردّت عليّ، وسمعت أصواتًا ولغطًا في الهاتف، وجزعت، فقد أحسّ قلبي بشيء فانقبض، وخمّنت موت صديقي، وجاء محمّد إلى سمّاعة الهاتف وهو يردّد: "الله يرحمه يا عمّ أبو محمّد"، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله, الله يرحمه ويحسن إليه، وعرفت أنّ والده، أخي، قد أسلم الروح مع أذان المغرب في مستشفى الشفاء بغزّة، وأخبرت أخانا مسعودًا، فواساني وعزّاني، وواسيته وعزّيته في مصابنا، وترحّمنا على زكي، لقد هدّنا موته! رحمك الله يا زكي.
      في اليوم التالي ذهبنا إلى بيت زكي لنكون مع أولاده، أولاد الأخ الحبيب، ولنصلّي عليه، وبعد أن جاءت سيّارة الإسعاف بجثمانه، وأدخلوه إلى البيت لتغسيله، أحسست بما يشبه الدوخة من تكرار القيام والقعود، وقبل إخراج الجنازة بدقائق طلبت من مسعود أن يفتح لي غرفة مكتبة زكي لأرتاح قليلا، فذهب، ثمّ عاد ليخبرني أن ليس هناك مجال لانشغال الجميع، وأشار عليّ أن أذهب إلى بيت أختي، فقمت أتهادى بين مسعود وابن عمّي مستندًا إليهما، حتّى وصلت الشارع فجلست على كرسيّ بباب دكاّن، ورجع مسعود إلى البيت لإخراج الجنازة.
      ومرّت بي جنازة أخي وأنا لا استطيع الوقوف لتوديعه، فأشرت إليه بالسلام، ودعوت له بالمغفرة والرحمة، ولاحظ حالي وما أنا فيه أحد المعزّين، فأوقف سيّارته واستفسر من ابن عمّي فأخبره، فرجع وأوصلني -جزاه الله خيرًا- إلى بيت أختي، ولم أصلّ الجمعة مع زكي رحمه الله في المسجد، وبعد الصلاة ومواراة زكي في التراب جاء مسعود ليطمئنّ عليّ، وقبيل العصر وجدت أنّ عافيتي ردّت إليّ، بعضها، وصرت أقدر على المشي والحمد لله، فذهبنا إلى بيت العزاء لمواساة أولاد أخينا في مصابهم ومصابنا.
     رحمك الله يا زكي، أشفقت علينا من التعب حيًّا وميتًا!
*   *   *
      لقد كتبَنا زكي في قصصه كما كتب كلّ شخص في معسكر جباليا، وبما ينطبق على كلّ شخص في كلّ معسكر من معسكرات القطاع، كتبنا وكان كريمًا معنا، وكان دائمًا رجلاً كريمًا، فكتبنا بكلّ معاناتنا وشقائنا، بكلّ أملنا وحلمنا في الحياة الكريمة، كتبنا بكلّ اعتزاز الفلسطينيّ بأرضه وتراثه ومفتاح داره، كتبنا زكي بكلّ انتظارنا لقمة العيش ممّا كان الله ييسّره لنا عن طريق "وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين"، وهي تردّ لنا النزر اليسير ممّا سلبه اليهود منّا ومن خيرات بلادنا، كتبنا ونحن نطمع أن تجود علينا الوكالة ببعض حليب (الكوكرز)، كتبنا ونحن ننتظر "توزيع" بعض (صُرَر الملابس) المستعملة أو التي "انتهى عمرها الافتراضيّ"!
      كتبنا زكي ونحن ننتظر بحسرة ولهفة توزيع بعض بطاقات (كرت الطعمة)! وهي بطاقات كانت تتيح لنا أن نأكل -بعد عناء وعناء- في مطعم الوكالة في المعسكر، كتبنا زكي وهو يحمل معنا السلّة وفيها أكياس فارغة ندخل بها (مركز "لتموين) أو (المُؤَن) كما كان يسمّيه أهلنا، لتملأها الوكالة لنا بما تيسّر من حصص السكر والأرز والفول والعدس والزيت، وكذلك لتعطينا بعض قطع الصابون لتنظّفنا ممّا علق بعقولنا من ذكريات بلادنا فلسطين! كتبنا زكي وهو يحمل همّ كلّ فلسطينيّ تغرّب بعد الهجرة، أو سبح في بحر غويط، أو ظلّ صامدًا يتحمّل العطش، شامخًا مثل الجبل الذي لا يأتي، أو الذي عاد من زمن الغياب، كتبنا بكلّ الهمّ الذي حملناه صغارًا ونحن نسأل: لماذا احتلّ اليهود بيتنا وطردونا منه؟ وكتبنا ونحن ننادي في مدارس الوكالة صباح كلّ يوم:
"عائدون عائدون *** إنّنـا لعـائدون"
      لقد رسم زكي لنا لوحة وضع فيها كلّ ألوان الإنسان الفلسطينيّ، وكلّ تطلّعاته الماضية والحاضرة والمستقبليّة إلى جذور الوطن!
      رحمك الله يا زكي ورحمنا، وغفر لك ولنا ولسائر المسلمين، آمين.
وكتب "الملِك" محمود عبد المالك  

 

 

* الشاعر الأستاذ محمود عبد المالك صديق الراحل زكي العيلة منذ سنوات الطفولة الأولى محاضر سابق في جامعة الخليل وفي جامعة الملك سعود (المملكة العربية السعودية) ومحاضر حالي في الجامعة الإسلامية بغزة وجامعة الأمة .

القائمة الرئيسية


Warning: Parameter 1 to modMainMenuHelper::buildXML() expected to be a reference, value given in /home/zakiaila/public_html/libraries/joomla/cache/handler/callback.php on line 99

العضوية

العضوية