القبض على محمد
الدرة
(مجموعة قصص قصيرة جداً)
(آحدث النتاجات
القصصية للكاتب زكي العيلة)
قصص قصيرة جداً
*************
(1)
(القبض على محمد الدرة)*
عندما انتشر الجراد و تَمددَ القحط ، و جفت ألسنة الشجر ، تراكضت
الأكفان ، و ابتعدت النجوم ، و راحت الأطيار تُنقّب عن سماء من فيء و زاد و
نور، ضجَّ الخلق من البلاء ، و تجرأ بعض العوام فنقشوا على الحيطان حروفاًً و
أشكالاً تتحدث عن القروح و الدمامل و أمواس الجوع و البراطيل ، فخرج كاتب
المراسيم من قبته ببيان إحقاق الحق و إعادة الأمر إلى نصابه ، و الأمن إلى
جِرابه ، تلاه بقرار إلقاء القبض على محمد الدرة الذي استهدف الميزان والثوابت
حين ألقى بأيديه إلى التهلكة .
في الصباح امتلأت حيطان المدينة برسومات أخرى لشموسٍ تتشح بعيون الصبي محمد
الدرة .
ـــــــ
* شهيد انتفاضة الأقصى (12 عاماً) استشهد في 29/9/2000 .
******
(2)
( لافتاتهم )
ظلت طبولُ النذير و صيحات التنديد و الوعيد تتصاعد لساعات من أكوام
لافتات القماش المتزاحمة التي أودعوها أقفاصَ المخزن انتظاراً لمهرجان آخر .
عندما هجم الليل و ركضت الريحُ العاوية و تمددتْ مخالبُ البرد القارس ، ارتعشت
مساماتُ اللافتات المحشورة بالأصباغ و علب البوية و شحبت خيوطُها ، و خَمُدَ
رغاءُ نذيرها و انفلتت عيدانَ قشٍ تبحث عن أرديةٍ و غطاء .
*********
(3)
( حمَّالــــة )
حين تحولت المرأة الصغيرة ، الملهوفة على بطاقاته الملونة بالشموع و
الأجراس و الفراشات التي سكنت حمالة نهديها إلى بطاقة تموين و شعارات تتأبط أول
الشهر و آخره ، أدركت الآن أنها غدت وحيدة ، فالزوج الذي حوَّلته دانة الدبابة
إلى فتافيت لن يعود إلى أجنحة عقارب الساعة .
عندما فتحوا آخر الشهور الباب على المرأة الصغيرة التي أدركت أنها غدت وحيدة
ملفعة بالفراغ ، وجدوا شظايا جنازة و بطاقات وئيدة الخطى مكتنزة بفراشات مشدوهة
، و لم تكن هناك حمالة نهود .
********
(4)
( الولــد الذي )
الولد الذي تسحَّب على رؤوس أصابعه من حوش الدار قبل أن تلمحه أمه ،
يعدو في الزقاق أصابع تُُخرج لسانها لطائرة الأباتشي التي تجز العيون التي
انفجرت قبل أن يغشاها الأزيز .
الولد الذي تسحَّب من الحوش دون ضجيج ، يعود للدار دخاناً و غباراً راكضاً
ملوناً ، دون عنق أو أصابع أو أكتاف .
انفجر الولد نجمات قبل أن يتنبه لشفرات الطائرة التي تجز الشجر و اليابسة و
الأولاد .
*******
(5)
( فلتـــان )
حالما أنهى المؤلف روايته ( فلتان ) ، سرح للحظات في شخوصه ، و تحسس
عنقه الذي تراءى له عيداناً مذبوحة تشخب دماً يغطي السطور ، فقرر إعادة النظر
في أصوات روايته و بنائها السردي .
بالممحاة داهم شخصياته غير النمطية التي تغوى الحديث عن البلطجة والبصاصين و
المحاسيب و فوضى المُدى و الدكاكين ، و العمولات ، والقيء و الشخير والعري
والشبق و العقم و الندوب و الملوِّثات و الطحالب والشجر الأجرد والمراكب
التائهة .
تنفس المؤلف أخيراً بعمق، واطمأن على عنقه العائد إلى جسده ، فغطّ في تثاؤب
متصل ، لكن العنوان ظل يتلوى أنياباً فوق أعناق الأوراق النمطية الممحوة .
*******
(6)
( الخطبـــاء)
حينما لملمَ الخطباءُ الخمسة أعلامَهم و شعاراتِهم وأوراقَهم التي
تتحدثُ عن المأسورين الأكرم منَّا، جمعت الصبيةُ الخطابات، برفقٍ وضعتها تحت
الوسادة، فالأب الذي لم تره لن يعود أسيراً ، و الحيطان لن تعود مصفَّدةً
بالأقفال، والأسلاكِ أمام مُهْرَته .
في الصباح بحثتْ الصبيةُ عن الخطاباتِ الخمسة، كانت هناك وسائدُ خمس مُسمَّرة
تعلوها حروفٌ ممحوةٌ وألسنةٌ مثلجة، وأسوارٌ عاليةٌ مسدلة .
*******
(7)
( موت أسرع )
اختلفت القبائلُ في نسبِ الفتى الذي نعفته على الفورِ قذيفةُ الدبابةِ
عيداناً ممزقة. كل قبيلةٍ تؤكد أنه سليل أصولها و بطونها، ووصل الأمرُ حد
التلويح ببيانات التخوين والتهديدِ بعظائم الأمور.
قال خطيبُ القبيلة الأولى : ربطتنا بالفتى أواصرُ شتى، فالقصائد التي كتبها
صهيلا ً في وجه الطوفانِ كانت جزءاً من أوراقِنا.
قال ناطقُ القبيلة الثانية : عندما غارت عيونُ الماء، و ضاق الحالُ، وزحف
الخرابُ، و أضحت الأرضُ تفور بالأفاعي والعقارب والسحالي والجرذان، أخذ بأيدينا
نحو ماءٍ صافٍ، عذبٍ، لا مثيل لمذاقه.
قال خطيبُ القبيلة الثالثة : حينما فاجأت غارةُ الأعداءِ المضاربَ، علا صراخُ
الحريمِ، وغدت البيوتُ راجفةً مرعوشة، رأيناه يقفز من فوق العوائق، بسيفه يطارد
رقابَ الغارة.
تصاعد زعيقُ القبائل، وانعقد غبارُ الطحن طوفانَ سكاكين سوداء مسنونة تُمجّد
الطعانَ الآتي، نهض الفتى من كفنه قطعاً معفرةً بالدماء ، تأَمَّل القبائلَ
اللاهيةَ المنعوفة، وتَمثَّلَ الطوفانَ الداهمَ الذي سيزدرد الجميعَ، فتدلى
عيداناً ممزقةً باحثة عن موتٍ أسرع.
********
(8)
( العَـلَــــم )
بعد أن احتلت الرطوبةُ أوصالَه، وركض التيبسُ في أنحائِه، غادر
العَـلَمُ أقبيةَ المخازن، بحثاً عن ملامحه في مدنٍ تَسابقَ غبارُ ألوانِ رايات
القبائل في احتلال أسطح دورها، وذوائبِ شجرها، وأعالي أعمدة الهاتف والإنارة
فيها .
تذكَّر العَلَمُ العائدُ مقهوراً إلى أقبية مخازنه، كيف كانت الأكفُ تناديه
متاريسَ تُلوِّنُ الأزقةَ و العرائش وعيون الحراس الراحلين، وبدا له القمرُ
بقعةًً سوداءَ شائخةً تغطس في كهف آفلٍ بعيد .
كان الصقيعُ يتربع فوق أنحاء العَلم الذي نسيتْ أفنيةُ المدنِ ملامحَه، لكنه
كان من وقتٍ لآخر يتذكر أكفاً كانت تناديه ومدناً ما تزال تتململُ تحت جلده .
********
(9)
( العسكري الذي انتشر )
العسكري الذي صدرتْ له أوامرُ إخلاء موقعه المتهدم أمام الاجتياح الآتي،
تفحَّص رصاصاتِه المحدودة المعدودة، و كانت الدبابة تهدر بجنازيرها التي تنتزع
أحشاءَ البيوت والأعشاب و النخل، وكانت الطائرات توزع في الفضاء مشانقَها
وكوابيس حرائقها .
العسكري الذي صدرت له أوامرُ الإخلاء تأمَّلَ الأفاقَ الممتدةَ والساحاتِ
الواسعةَ الباقية، و في جسد تراب موقعه المتقدم، المتهدم الصامت انتشر.
*********
(10)
( سميحة )
بعد ثلاثين عاماً من كتابة روايته الأولى (سميحة) ، راودت الروائي فكرة
توظيف بطلتها ثانية في أحدث نتاجاته .
لم تغب سميحة من ذاكرة المؤلف المزهو بها ، كما لم تغب أيضاً آراء النقاد الذين
أثنوا على بساطة تلك الشخصية ، و أشادوا ببراءتها، واتساقها مع الضوابط
الاجتماعية .
قبل أن يتمدد المؤلف متعباً مكدوداً بعد أن ختم روايته الجديدة، انسلت (سميحة)
من ضلوع الحروف، و تهادت أمامه امرأة تلبس من أحدث مودة، معلنة في نزق و تحفز
أنها ستقاضيه، فقد ورَّطها وأساء إليها، فبدت في الرواية الجديدة شخصية سمجة
ممجوجة تجلب الغثيان ببراءتها، وعدم خروجها عن الضوابط الاجتماعية .
********
(11)
( القناصُ و أشياؤُها )
عندما انتزعَ القناصُ النورَ من جسدِ الطفلةِ ، غادرتْ علبةُ الألوانِ
أصابعَها ، و تناثرتْ أقلاماً تتقافزُ فوقَ التراب .
مع جديلةِ الشمسِ التي كانتْ تتعلق الطفلةُ بخيوطِها البرَّاقةِ بحثاً عن
أسرابِ الفراشاتِ ، و زقزقاتِ الحساسين ، مضى القلمُ الأبيضُ .
صَوبَ رائحةِ شجرة الكينا التي كانت تظللُ الطفلةَ حينما كان يتدفقُ الشواظُ
اللافحُ ، ركض القلمُ الأخضر .
في جسدِ السوافي التي كانت تغتسلُ الطفلةُ بنوافير رملِها تطايرَ القلمُ الأصفر
.
نحو أصدافِ البحرِ التي لم تُمكِّنها أنيابُ المستوطنةِ من قطفها ، امتدَّ
القلمُ الأزرق .
إلى حضنِ الليل الذي كان يُكحّلُ وسادتَها بالأحلامِ المزركشةِ ، عَبَرَ القلمُ
الأسود .
*
كان القناصُ الذي أطفأ النورَ في جسدِ الطفلة يتشممُ رائحةَ علبةِ الألوانِ
المتقافزة ،
بقذيفته باغتَ عنقَ العلبةِ و أحشاءَها ، لكن الأقلامَ التي سالتْ في أشياءِ
الطفلةِ ظلتْ بازغةً هناك .
********
(13)
(ذلك الحاجز)
على الحاجز الذي اندقَّ إشارةً ضوئيةً حمراءَ تبخُ أسواراً ونِصالاً،
انحشرت السيارةُ الصفراء التي تحملُ الولدَ الذاهبَ لزيارةِ أبيه.
نادى الرجوعُ السيارةَ الصفراءَ، وكان الحاجزُ طوابيرَ تتمددُ غباراً وقروحاً
وعلاماتِ استفهام، وكان الأسير هناك ينتظرُ الولدَ الذي لم يستكشفْ ملامحَه.
بعد يومٍ من الإشارة الضوئيةِ الحمراء، قرر الجنديُ إخلاءَ المكان. كانت
السيارةُ الصفراءُ مطمورةً بالغبارِ والزحام وأمواسِ الانتظار. وقبل أن يكملَ
الجنديُ زعيقَه كانت نِصالُه الشغوفة ببُقع الدم تخترقُ رأسَ ولدٍ يحاول أبٌ
هناك ألا ينسى ملامحَه.
**** ****
(14)
(.. مِنْ أينَ لَه ؟؟!!..)
عِندما زادتْ الكُرَبُ، وتعالى اللمزُ، اشتاقَ (مِنْ أينَ لكَ هذا)
لنجماتٍ مُنقرضٍ، وأطيافِ أحقابٍ هاربةٍ، فغادرَ لِثامَ غِمْدٍ عتيقٍ سيفاً
يزومُ وعيداً مُتأججاًً بقرارِ كشفِ المستورِ وفضحِ تُخومِ الأغطيةِ والحُجُبِ
.
استدعى (مِنْ أينَ لكَ ..) أسماءَ خلائق أخفوا الكلأَ والعَقَارَ، وأشاعوا
الكسادَ والعُقْمَ والهوامَ، فأبصرَ نعشاً مفتوحاً يَحثّ الخطى نحوه، فانتابته
رجفةٌ و هزاتٌ، وتكاَلَبَ عليه رُعبٌ لم يعهدْه، فنادى غَوْثَ غِمْدٍ يستر
عُريه وينجي أعضاءَه، وجثا فضائياتٍ وجرائدَ وحِواراتٍ تتبرأ من أطيافِ أحقابٍ
مارقةٍ جاحدةٍ حاولتْ تهييجَ العوامِ الموقنين بأن الناسَ رُتَبٌ و حُجُبٌ
وحساباتِ بنوكٍ وتوكيلات .
*******
زكي العيلة، غزة ، فلسطين 2005
********
قاص وباحث مقيم في غزة .
موقع http://zakiaila.com/
بريد zakiaila@hotmail.com
